وهذا التقدير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر ، وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة ، وهو الذي ذكره موسى عليه السلام هنا بقوله: {ربكم ورب آبائكم الأولين} ، فأجابه نمروذ بقوله: {أنا أحيي وأميت} فقال: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} وهو الذي ذكره موسى عليه السلام هنا بقوله: {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} : أي إن كنتم من العقلاء ، عرفتم أن لا جواب عن السؤال إلا ما ذكرت.
انتهى ، وفيه بعض تلخيص.
وقال ابن عطية: زاده موسى عليه السلام في بيان الصفات التي تظهر نقص فرعون ، وتبين أنه في غاية البعد عن القدرة عليها ، وهي ربوبية المشرق والمغرب ، ولم يكن لفرعون إلا ملك مصر من البحر إلى أسوان وأرض الإسكندرية.
وقرأ مجاهد ، وحميد ، والأعرج: أرسل إليكم ، على بناء الفاعل ، أي أرسله ربه إليكم.
وقرأ عبد الله ، وأصحابه ، والأعمش: رب المشارق والمغارب ، على الجمع فيهما.
ولما انقطع فرعون في باب الاحتجاج ، رجع إلى الاستعلاء والغلب ، وهذا أبين علامات الانقطاع ، فتوعد موسى بالسجن حين أعياه خطابه: {قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} .
وقال الزمخشري: لما أجاب موسى بما أجاب ، عجب قومه من جوابه ، حيث نسب الربوبية إلى غيره ، فلما ثنى بتقرير قوله ، جننه إلى قومه وظنن به ، حيث سماه رسولهم ، فلما ثلث احتد واحتدم ، وقال: {لئن اتخذت إلهاً غيري} .
فإن قلت: كيف قال: أولاً: {إن كنتم موقنين} ، وآخراً: {إن كنتم تعقلون} ؟ قلت: لأين أولاً ، فلما رأى شدة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج ، خاشن وعارض إن رسولكم لمجنون بقوله: {إن كنتم تعقلون} .
فإن قلت: ألم يكن لأسجننك أخصر من {لأجعلنك من المسجونين} ومؤدّياً مؤدّاه؟