فالمعنى {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} [الفرقان: 73] أي: في القرآن الكريم: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} [الفرقان: 73] لم يخروا: الخرّ: السقوط بلا نظام وبلا ترتيب .
كما جاء في قوله تعالى: {فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] فالسقف إنْ خَرّ يخرّ بلا نظام وبلا ترتيب .
ومنه قوله تعالى في صفات المؤمنين: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: 108109] لأنهم يخرّون بانفعال قَسْريّ ، ينشأ من سماع القرآن .
إذن: حين يُذكَّرون بآيات الله لم يخرّوا عليها ُصُمّاً وعمياناً ، إنما يخِرُّون وهم مُصغون تمام الإصغاء ، ومبصرون تمام الإبصار .
ثم يقول الحق سبحانه عنهم: {والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا}
هذه صفة أخرى من صفات عباد الرحمن ، يطلبون فيها أمرين {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74] والذرية لا تأتي إلا بعد الزواج ؛ لذلك جاء الدعاء للأزواج ، ثم للذرية .
وكلمة {قُرَّةَ} [الفرقان: 74] تُستعمل بمعنيين ، وفي اللغة شيء يسمونه (عامل اشتقاق) يعني: يشتق اللفظ من معنى عام ، وقد يختلف معناه ، لكن في النهاية يلتقيان على معنى واحد .
وكملة (قُرَّة) تأتي بمعنى اللزوم والثبات ، من قَرَّ في المكان يعني: لزمه وثبت فيه ، وتأتي بمعنى السرور ؛ والقُرُّ يعني أيضاً: شدة البرودة ، كما جاء في قول الشاعر:
أَوْقِدْ فإنَّ اللْيلَ لَيْلُ قُرٌ ... والريحَ يَا غُلامُ ريحُ صُرّ
عَلَّ أنْ يَرى نَارك مَنْ يمرُّ ... إنْ جلبتْ ضَيْفاً فأنتَ حُرّ