ألاَ ترى الكفار يقول بعضهم لبعض عند سماع القرآن كما حكاه القرآن: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً} [محمد: 16] .
يعني: ما معنى ما يقول ، أو ما الجديد الذي جاء به ، وهذا على وجه التعجُّب منهم . فيردّ القرآن: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44]
إذن: فالقرآن واحد ، لكن المُسْتقبِل له مختلف: هذا استقبله بنفس صافية راضية ، وهذا استقبله بلَدد وقلب مُغْلق ، فكأنه لم يسمع ، فالمسألة مسألة فِعْل وقابل للفِعْل ، وسبق أن مثَّلنا لذلك بمَنْ ينفخ في يده أيام البرد والشتاء بقصد التدفئة ، وينفخ في كوب الشاي مثلاً بقصد التبريد ، فالفعل واحد ، لكن المستقبل مختلف .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ}
قوله تعالى: {ذُكِّرُواْ} [الفرقان: 73] لا تُقال إلا إذا كان المقابل لك الذي تذكره عنده إلْفٌ بالذكْر ، وعنده عِلْم به ، والآيات التي تُذكِّر بها لها قدوم أول ، ولها قدوم ثانٍ: القدوم الأول: هو الإعلان الأول بها ، والقدوم الثاني: حين تنسى نُذكّرك بها .
وسبق أنْ قُلْنا: إن الآيات تُطلَق على معاَنٍ ثلاثة: إمّا آيات كونية تُلفِت النظر إلى قدرة الله تعالى ، وأنه صانع حكيم . . الخ ، وإمّا آيات معجزات جاءت لتأييد الرسل وإثبات صِدْقهم في البلاغ عن الله ، وإمّا آيات الذكْر الحكيم ، والتي تسُمَّى حاملة الأحكام ، وهي تُنبِّه من الغفلة ، وتُذكِّر الناس .