لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت".
لماذا؟ لأن شهادة الزُّور تهدم كُلَّ قضايا الحق في المجتمع .
ثم يقول سبحانه: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} [الفرقان: 72] اللغو: هو الذي يجب في عُرْف العاقل أنْ يُلْغى ويُتْرك ، وهو الهُراء الذي لا فائدة منه ؛ لذلك قال فيمن يتركه {مَرُّوا كِراماً} [الفرقان: 72] والكرام يقابلها اللئام ، فكأن المعنى: لا تدخل مع اللئام مجالَ اللغو والكلام الباطل الذي يُصادِم الحق ليصرف الناس عنه .
ومن ذلك ما حكاه القرآن عن الكفار ليصرفوا الناس عن الاستماع لآيات الذكر: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ} [فصلت: 26]
يعني: شوِّشوا عليه حتى لا يتمكّن الناس من سماعه ، وهذه شهادة منهم بأنهم لو تركوا آذان الناس على طبيعتها وسجيتها فسمعت القرآن ، فلا بُدَّ أن ينفعلوا به ، وأن يؤمنوا به ، ولو لم يكُنْ للقرآن أثر في النفوس ما قالوا هذه المقولة .
وقولهم: {والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] يعني: وإنْ سمعتموه يُقرأ فالْغوْا فيه ، وشوِّشوا عليه ، حتى لا يصل إلى الآذان ، لماذا؟ ألم يؤمن سيدنا عمر لما سمع آيات منه في بيت أخته فاطمة؟ لكن لماذا أثّر القرآن في عمر هذه المرة بالذات ، وقد سمعه كثيراً فلم يتأثر به؟
قالوا: لأن اللجج والعناد يجعل الإنسان يسمع غير سامع ، أما سماع عمر هذه المرة ، فكان بعد أن ضرب أخته فشجَّها ، وسال منها الدم ، فحرّك فيه عاطفة الأخوة وحنانها ، ونفض عنه الكبرياء والعناد واللجاج ، فصادف القرآنُ منه نفساً صافية ، وقلباً خالياً من اللدد للإسلام فأسلم .