قال النحاس: وعلى هذا يجوز"تترى"بكسر التاء الأولى ؛ لأن معنى {ثم أرسلنا} : واترنا ، ويجوز أن يكون في موضع الحال ، أي متواترين {كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} هذه الجملة مستأنفة مبينة لمجيء كل رسول لأمته على أن المراد بالمجيء: التبليغ {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب {وجعلناهم أَحَادِيثَ} الأحاديث جمع أحدوثة ، وهي ما يتحدّث به الناس كالأعاجيب جمع أعجوبة ، وهي ما يتعجب الناس منه.
قال الأخفش: إنما يقال جعلناهم أحاديث في الشرّ ، ولا يقال في الخير ، كما يقال: صار فلان حديثاً ، أي عبرة ، وكما قال سبحانه في آية أخرى: {فجعلناهم أَحَادِيثَ ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19] .
قلت: وهذه الكلية غير مسلمة فقد يقال: صار فلان حديثاً حسناً ، ومنه قول ابن دريد في مقصورته:
وإنما المرء حديث بعده... فكن حديثاً حسناً لمن روى
{فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} وصفهم هنا بعدم الإيمان ، وفيما سبق قريباً بالظلم لكون كل من الوصفين صادراً عن كل طائفة من الطائفتين ، أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرّد عدم التصديق ، وأولئك ضموا إليه تلك الأقوال الشنيعة التي هي من أشد الظلم وأفظعه.
ثم حكى سبحانه ما وقع من فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هارون بئاياتنا} هي التسع المتقدّم ذكرها غير مرّة ، ولا يصح عدّ فلق البحر منها هنا ؛ لأن المراد: الآيات التي كذبوا بها واستكبروا عنها.
والمراد بالسلطان المبين: الحجة الواضحة البينة.
قيل: هي الآيات التسع نفسها ، والعطف من باب:
إلى الملك القرم وابن الهمام... وقيل: أراد العصي ؛ لأنها أمّ الآيات ، فيكون من باب عطف جبريل على الملائكة.
وقيل: المراد بالآيات: التي كانت لهما ، وبالسلطان: الدلائل.