فقولهم: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ} [الزخرف: 23] هم كاذبون أيضاً في هذه المقولة ؛ لأنهم لو صَدَقوا لقلَّدوهم في كل شيء وما عليهم في أمور الدنيا وفي أمور الدين والقيم والأخلاق .
لذلك الحق - تبارك وتعالى - يعالج هذه القضية في مواضع عدة من كتابه الكريم ، وبأساليب مختلفة ، منها قوله سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ . .} [البقرة: 170] .
لأن هذا يريحهم من مشقة التكاليف ، وإنْ كانت العبادة: طاعة عابد لمعبود في أمره ونهيه ، فما أسهلَ عبادة الأصنام ؛ لأنها آلهة كما يدعون لكن ليس لها منهج ، وليس معها تكاليف ، فبأيِّ شيء أمرك الصنم؟ وعن أيِّ شيء نهاك؟ وماذا أعدَّ من جزاء لمن أطاعه؟ وماذا أعدَّ من عقاب لمن عصاه ، إذن: معبود بلا منهج وبلا تكاليف ، وهذا دليل كذبهم في عبادة الأصنام وغيرها من آلهتهم .
الم يقولوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3] فهذا حُمْق وسَفَه وجهل ؛ لأن الكلام منطقياً لا يستقيم ، كيف تقولون نعبدهم وليس لهم منهج ، وليس لهم تكاليف ، والعبادة طاعة عابد لمعبود؟
إذن: ما هو إلا خِوَاء وإفلاس عقديّ ؛ لذلك يردُّ الحق - تبارك وتعالى - عليهم فيقول سبحانه: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .
وفي موضع آخر يقول - سبحانه وتعالى - عنهم: {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ . .} [المائدة: 104] وهذه أبلغ من سابقتها ، لأنهم يُصعِّدون كفرهم ويُصِرون عليه ، فقولهم: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ . .} [البقرة: 170] فلربما يراجعون أنفسهم فيهتدون إلى الحق ، ويخالفون الآباء .
لكن هنا: