{والذين هُمْ عَنِ اللغو} وهو ما لا يعتد به من الأقوال والأفعال ، وعن ابن عباس تفسيره بالباطل ، وشاع في الكلام الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغاء وهو صوت العصافير ونحوها من الطير: وقد يسمى كل كلام قبيح لغواً ، ويقال فيه كما قال أبو عبيدة لغو ولغا نحو عيب وعاب ، وأنشد:
عن اللغا ورفث التكليم...
{مُّعْرِضُونَ} في عامة أوقاتهم لما فيه من الحالة الداعية إلى الإعراض عنه مع ما فيهم من الاشتغال بما يعنيهم ، وهذا أبلغ من أن يقال: لا يلهون من وجوه ، جعل الجملة اسمية دالة على الثبات والدوام ، وتقديم الضمير المفيد لتقوى الحكم بتكريره ، والتعبير في المسند بالاسم الدال كما شاع على الثابت ، وتقديم الظرف عليه المفيد للحصر ، وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وميلاً وحضوراً فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه.
{والذين هُمْ للزكاة فاعلون} الظاهر أن المراد بالزكاة المعنى المصدري أعني التزكية لأنه الذي يتعلق به فعلهم ، وأما المعنى الثاني وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا يكون نفسه مفعولاً لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف أي لأداء الزكاة فاعلون أو تضمين {فاعلون} معنى مؤدون وبذلك فسره التبريزي إلا أنه تعقب بأنه لا يقال فعلت الزكاة أي أديتها ، وإذا أريد المعنى الأول أدى وصفهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريق الكناية التي هي أبلغ ، وهذا أحد الوجوه للعدول عن والذين يزكون إلى ما في"النظم الكريم".
وجميع ما مر آنفاً في بيان أبلغية {والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] من والذين لا يلهون جار هنا سوى الوجه الخامس اتفاقاً والرابع عند بعض لأن المقدم متعلق تعلق الجار والمجرور بما بعده كيف واللام زائدة لتقوية العمل من وجهين ، تقديم المعمول ، وكون العامل اسماً.