للنسيان معنيان: أحدهما: الترك، أي ترك الأمر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين، ومنه نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ وثانيهما: قال ابن عباس: «نسى» هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي ... وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم في ذلك الوقت مؤاخذا بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا.
والمراد تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم أي: أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم أي: إن نقض هؤلاء - المشركون - العهد، فإن آدم - أيضا - عهدنا إليه فنسي .. ».
وقوله: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً مقرر لما قبله من غفلة آدم عن الوفاء بالعهد.
قال الجمل: وقوله: نَجِدْ يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم، فينصب مفعولين، وهما «له» و «عزما» ويحتمل أنه من الوجود الذي هو ضد العدم فينصب مفعولا وهو عَزْماً والجار والمجرور متعلق بنجد.
والعزم: توطين النفس على الفعل، والتصميم عليه، والمضي في التنفيذ للشيء ..
أي: فنسي آدم عهدنا، ولم نجد له ثبات قدم في الأمور، يجعله يصبر على عدم الأكل من الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب خديعة الشيطان له.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك بشيء من التفصيل، الأسباب التي أدت إلى نسيان آدم وضعف عزيمته فقال: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى.
أي: واذكر - أيها المخاطب - وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فامتثلوا لأمرنا، إلا إبليس فإنه أبى السجود لآدم تكبرا وغرورا وحسدا له على هذا التكريم.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال: يا آدَمُ إِنَّ هذا أي: إبليس عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ بسبب حسده لكما وحقده عليكما فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى أي: فاحذرا أن تطيعاه، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة، فيترتب على ذلك شقاؤك، أي: تعبك في الحصول على مطالب حياتك.