ووجه الجمع بين هذه الروايات: أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاه قميصه فكفن فيه، ثم إنه صلى عليه، وليس في حديث جابر ذكر الصلاة عليه، فالظاهر - والله أعلم - أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه أولًا، كما في حديث ابن عمر، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه ثانيًا، بعدما أدخل حفرته، فأخرجه منها، ونزع عنه القميص الذي أعطاه وكفن فيه، لينفث عليه من ريقه، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - ألبسه قميصه بيده الكريمة، فعل هذا كله بعبد الله بن أبي تطييبًا لقلب ابنه عبد الله، فإنه كان من فضلاء الصحابة، وأصدقهم إسلامًا وأكثرهم عبادة، وأشرحهم صدرًا.
ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كُلِّم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال - صلى الله عليه وسلم -:"وما يغني عنه قميصي وصلاته من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه"ويروي أنه أسلم ألف من قومه لمَّا رأوه يتبرك بقميص النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي رواية عن جابر، قال: لما كان يوم بدر، أتى بالأسارى وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - له قميصًا، فوجدو قميص عبد الله بن أبي مقدرًا عليه، فكساه النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه فلذلك نزع النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصه له. اهـ"الخازن".
85 -ثم أكد ما تقدَّم من النهي عن الاغترار بالأموال والأولاد؛ لأن الأمر جد خطير، يحتاج إلى التوكيد إذ هما أعظم الأشياء جذبًا للقلوب، وجلبًا للخواطر للاشتغال بالدنيا، فيجب التحذير منهما مرةً بعد أخرى، فقال: {وَلَا تُعْجِبْكَ} يا محمد أموالهم وأولادهم؛ أي. كثرتها واغترارهم بها {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى بتمتيعهم بالأموال والأولاد {أَنْ يُعَذِّبَهُمْ} ويتعبهم {بِهَا} ؛ أي بمكابدتهم الشدائد في شأنها {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} ، أي: وتخرج أرواحهم {وَهُمْ كَافِرُونَ} ؛ أي: مغرورون بها عن نعيم الآخرة، أي: فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها.