ثم بيَّن سبب نهيه عن الصلاة عليم {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: لأنهم استمروا على الكفر بالله ورسوله في السِرِّ مدَّة حياتهم {وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} ؛ أي: خارجون عن حظيرة الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه، فليسوا أهلًا للصلاة عليهم، ولا للاستغفار لهم بالقيام عند قبورهم.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ وصفهم بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر؛ لأن الفسق أدنى حالًا من الكفر، فالكفر يشمله وغيره، فما الفائدة في وصفهم بكونهم فاسقين بعد وصفهم بالكفر؟
قلتُ: إن الكفر قد يكون عدلًا في دينه، بأن يؤدِّي الأمانة ولا يضمر لأحد سوءًا، وقد يكون خبيثًا في نفسه كثير الكذب والمكر والخداع، وإضمار السوء للغير، وهذا أمر مستقبح عند كل أحد، ولما كان المنافق بهذه الصفة الخبيثة .. وصفهم الله تعالى بكونهم فاسقين، بعد أن وصفهم بالكفر، ولما نزلت هذه الآية .. ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على منافق، ولا قام على قبره بعدها.
روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن ابن عباس، قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي .. دعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف .. قلت: أتصلي على عدو الله، عبد الله بن أبي، القائل: كذا وكذا، والقائل: كذا وكذا؟ أعدِّد أيامه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يبتسم، حتى إذا أكثرت، قال:"يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له .. لزدت عليها"ثم صلى عليه، ومشى معه حتى قام على قبره، إلى أن فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه} فما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على منافق بعده، حتى قبضه الله عز وجل.