والثاني: أن الأمور التي فيما بين الخلق إنما ينظر إلى ظواهرها، وإن كان في الباطن على خلاف الظواهر، حيث عوتبوا هم بما طعنوا فيهم بالرياء والسمعة؛ ليعلم أن الأمور التي فيما بين الخلق تحمل على ظواهرها، ولا ينظر فيها إلى غير ظاهرها، والحقيقة هو ما بطن وأسروا به يخلص العمل لله، والسر: هو ما يسر المرء في نفسه، والنجوى: هو اجتماع جماعة على نجو؛ من الأرض، أي: المرتفع من المكان.
وقوله: (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن من اعتذر إلى آخر فيقبل عنه، على علم من المعتذَر إليه أنه لا عذر له فيما يعتذر إليه، وأنه كاذب في ذلك - فقبول المعتذَر إليه ما يعتذر من المعتذِر: سخرية من المعتذَر إليه إلى المعتذِر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (سَخِرَ اللَّهُ مِنهُم) أي: يجزيهم جزاء السخرية؛ فسمى جزاءه باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية، كما سُمّي جزاء [السيئة: سيئة] (1) ، وإن لم تكن الثانية [سيئة] ، وكذلك سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الثاني اعتداء، فعلى ذلك سمي جزاء السخرية سخرية، وإن لم يكن سخرية.
ويحتمل قوله: (سَخِرَ اللَّهُ مِنهُم) أي: سخر أولياء اللَّه منهم، فأضيف إليه، وكذلك يحتمل قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، أي: يستهزئ بهم أولياؤه، وهو قوله: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ، فذلك استهزاؤهم بهم، وذلك جائز في اللغة إضافة الشيء إلى آخر، والمراد منه غير مضاف إليه.
(1) في الكتاب المطبوع هكذا (السبة: سبة) ولعل الصواب ما أثبتناه بدليل قوله تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) . اهـ مصحح النسخة الإلكترونية).