والخنزير مخلوق لحكمة لا نعلمها نحن ، وإنما يعلمها من خلق ، لأنه من الجائز أن يكون أداة لالتقاط الميكروبات التي تنشأ من عفن الأشياء التي يستعملها الناس في حياتهم ، إذن فكل شيء مخلوق لحكمة ، فلا تخرج أنت حكمة الأشياء من غير مراد خالقها ؛ لأن صانع الصنعة هو الذي يحدد الشيء الذي يوجد وينشئ القوة لها . ونحن نعلم - مثلاً - أن أنواع الوقود كثيرة ، فهناك"البنزين"النقي جداً ويرقمونه برقم (1) وهو مخصص للطائرة ، ووقود السيارة وهو"البنزين"رقم (2) . فإذا استخدمنا وقود ماكينة وآلة بدل ماكينة أخرى أفسدناها . كذلك خلق الله الإنسان وسخر له كل المخلوقات وأوضح: هذا يصلح لك مباشرة ، وهذا مخلوق ليخدمك خدمة غير مباشرة فدعه في مكانه .
وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى مواقف الجنة ، ومواقف النار ، ومواقف أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ؛ وبعد أن بين المنهج كله أراد أن يبين أن ذلك ليس نظرياً ، وإنما هو واقع كوني أيضاً . ففرق بين الشيء يقال نظرا ، والشيء يقع واقعاً ، فقص علينا قصص الأنبياء حين أرسلهم إلى أقوامهم ، فمن كذب بالرسل أخذه الله أخذ عزيز مقتدر بواقع يشهده الجميع ؛ فذكر نوحا مع قومه ، وذكر عاداً وأخاهم هوداً ، وذكر ثمود وأخاهم صالحاً ، ومدين وأخاهم شعيباً ، وقوم لوط وسيدنا لوطا .
وبين ما حدث للمؤمنين بالنجاة ، وما حدث للكافرين بالعطب والإذلال ، ويوضح الحق سبحانه وتعالى: أنني آخذ الناس بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، لأن الإنسان مخلوق أفاض الله عليه من صفات جلاله ، ومن صفات جماله الشيء الكثير ، فالله قوي ، وأعطى الإنسان من قوته . والله غني وأعطى الإنسان من غناه ، والله حكيم وأعطى الإنسان من حكمته ، والله عليم وأعطى الإنسان من علمه .