إنّكم إذا لخاسرون في فعلكم وترككم ملتكم التي أنتم عليها، وعمموا الخسران ليشمل خسران الشرف والمجد، إذ بإيثاركم ملته على ملة آبائكم وأجدادكم، تعترفون بأنّهم كانوا ضالين ومعذبين عند الله، وخسران الثروة والربح بما تحترفونه من تطفيف الكيل والميزان، وبخس الغرباء أشياءهم.
ووصف الملأ أولا بالاستكبار؛ لأنّه هو الذي جرّأهم على تهديده، وإنذاره بالإخراج من القرية، وإشعاره بأنّهم أرباب السلطان فيها، وثانيا بالكفر؛ لأنّه هو الحامل على الإغواء وصدهم عن الإيمان، والأخذ بما جاء به، ثم عللوا لهم صدهم بأنّ في ذلك لهم مصلحة أيما مصلحة، وفائدة أيما فائدة.
والخلاصة: أنه تعالى وصفهم أولا بالضلال، ثم وصفهم ثانيا بالإغواء والإضلال.
91 -ثم ذكر عاقبة أمرهم وما أصابهم من نكال فقال: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ؛ أي: الزلزلة الشديدة المهلكة {فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ} ؛ أي: فصاروا في مساكنهم {جاثِمِينَ} ؛ أي: منكبين على وجوههم ميّتين. وقد بين سبحانه في سورة الشعراء أنّ الله أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة - وهم إخوة مدين في النسب - . أخرج ابن عساكر، عن ابن عباس في قوله: {كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} قال: كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر ومدين، وفي ذلك دليل على أن الله أرسله إلى أهل مدين وإلى من اتصل بهم إلى ساحل البحر، وأن حال الفريقين في الكفر والمعاصي كانت واحدة، وكان ينذرهم متنقلا بينهم، وكان عذاب مدين بالصيحة والرجفة المصاحبة لها، وعذاب أصحاب الأيكة بالسموم والحر الشديد، وقد انتهى ذلك بظلة من السحاب، فزعوا إليها يتبردون بظلها، فأطلقت عليهم فاختنقوا بها أجمعون.
92 - {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} ؛ أي: استؤصلوا بالمرة، وصاروا كأنّهم لم يقيموا في قريتهم أصلا؛ أي: عوقبوا بقولهم: {لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا} . وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجا لا دخول بعده أبدا {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ} دينا ودنيا دون الذين اتبعوه؛ فإنّهم الرابحون في الدارين.