(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) فِي سُورَةِ هُودٍ أَنَّ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمْهَلَ قَوْمَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَتَمَتَّعُونَ فِيهَا بَعْدَ عَقْرِ النَّاقَةِ ، فَلَمَّا انْتَهَتْ أَنْجَاهُ اللهُ تَعَالَى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَأَنْزَلَ الْعَذَابَ بِالْبَاقِينَ الظَّالِمِينَ بَعْدَ إِنْجَائِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْجَاءُ مِنْ عَذَابِ صَيْحَةِ الصَّاعِقَةِ الطَّاغِيَةِ الْمُتَجَاوِزَةِ لِلْحَدِّ الْمُعْتَادِ بِالْبُعْدِ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَوَلَّى عَنْهُمْ عَقِبَ هَلَاكِهِمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ ، وَالْمَعْهُودُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ تَتَقَدَّمَ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الذِّكْرِ ، كَتَقَدُّمِ مَدْلُولِهَا بِالْفِعْلِ ، وَلَكِنْ عُهِدَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَرْكُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمَعَانِي لِنُكَتٍ فِي الْكَلَامِ ، وَلَا سِيَّمَا كَلَامٌ يُعْرَفُ فِيهِ التَّرْتِيبُ بِالضَّرُورَةِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا فِي الظُّهُورِ ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْآيَتَيْنِ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ إِعْذَارِ صَالِحٍ إِلَى قَوْمِهِ بِإِبْلَاغِهِمُ الرِّسَالَةَ وَمَحْضِهِمُ النَّصِيحَةَ ، وَمِنْ تَسْجِيلِهِ عَلَيْهِمْ أَفْنَ الرَّأْيِ وَفَسَادَ الْأَخْلَاقِ بِكُرْهِ النَّاصِحِينَ وَعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمْ - إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ التَّوَلِّي وَالِانْصِرَافِ عَنْهُمْ أَوْ عِنْدَهُ وَلَكِنْ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ .