ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون. ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون. وفيهم من يتبجحون ويتوقحون ، ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين! وأن لا ضرورة لإقحام الدين فِي حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية ، بل العائلية ، ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون! ثم يعتقد بعضهم فِي غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيراً من المعاصي ، ثم يساقون إلى الجنة! أليسوا مسلمين؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ، ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له فِي الدين.
.وهؤلاء وأولئك سواء فِي تنصلهم من أصل الدين ، وتملصهم من حقيقته التي يرضاها الله: الإسلام: الاستسلام والطاعة والاتباع. والتلقي من الله وحده فِي كل شأن من شؤون الحياة:
{فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ، ووفيت كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون} ؟
كيف؟ إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء الله ، وجدية عدل الله ؛ ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة.. وهو بعد تهديد قائم للجميع.. مشركين وملحدين ، وأهل كتاب ومدعي إسلام ، فهم سواء فِي أنهم لا يحققون فِي حياتهم الإسلام!
{فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} .. وجرى العدل الإلهي مجراه؟ {ووفيت كل نفس ما كسبت} .. بلا ظلم ولا محاباة؟ {وهم لا يظلمون} .. كما أنهم لا يحابون فِي حساب الله؟
سؤال يلقى ويترك بلا جواب.. وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب!
بعدئذ يلقن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل مؤمن ، أن يتجه إلى الله ، مقرراً حقيقة الألوهية الواحدة ، وحقيقة القوامة الواحدة ، فِي حياة البشر ، وفي تدبير الكون. فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك لله فيها ولا شبيه: