قال المفسرون: هذا في المؤمن، إذا كان في قوم كفَّار، ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّماً؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة المسلمين.
قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] ، كان ذلك فضيلةً له.
وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي رحمه الله: أنَّ الحالةَ بين المسلمين، إذا شاكلت الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن المُهْجَةِ.
[وأمال] الكسائي، وحمزة {تُقَاةً} ههنا. والقافُ حرفٌ مُسْتَعْلٍ، فالأحسن ترْكُ الإمالة مع القاف، كما لم يُميلوا (قادم) . و (قاة) من (تقاة) ، بمنزلة: (قادم) .
وحُجَّة من أمالَ: أنَّ سيبويه ذكر: أنَّ قوماً قد أمالوا مع المستعلي، ما لا ينبغي أن يُمال في القياس؛ وذلك قولهم: (رأيت غَرْقى) . قال: وهو قليل. وأيضاً فإنهم قد أمالوا: (سَقى) ، (وصَغى) ؛ طلباً للياء التي الألِفُ في موضعها، فلمَّا أُميلت هذه الألِفُ مع المستعلي، كذلك أميلت التي في (تقاة) .
وقوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} . أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذابَ نَفْسِهِ، وعقوبَتَه، فحذف المضاف، وهو قول ابن عباس و (النفس) عند العرب، عبارة عن: ذات الشيء ووجوده. يقولون: هذا نفس كلامك. وإلى هذا ذهب أهل المعاني.
قال الزجَّاج: معنى {نَفْسَهُ} : إيَّاه، كأنه قال: ويحذركم الله إيَّاه. وقال بعضهم: النفس ههنا: تعود إلى اتِّخاذ الأولياء من الكفار؛ [أي] : ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 166 - 175} .