قال ابن عباس في هذه الآية: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفارَ في آيات كثيرة، منها قوله: {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] وقوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] ، وقوله: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] .
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي: اتِّخاذ الأولياء منهم.
{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} . أي: من دين الله، فحذف الدينَ اكتفاءً بالمضاف إليه، والمعنى: أنه قد برئ من الله، وفارق دينه، ثمَّ استثنى، فقال: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . ذكرنا معنى الاتقاء وحقيقته في قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] . و (التُّقاة) ههنا مصدر، ووزنها: فُعَلَة، مثل:
(تُخَمَة) ، و (تُؤَدَة) ، و (تُكَأَة) ، و (تُهمَة) . والتَّاء في كل هذا مبدلة من الواو، ويقال: (تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقىً، وتَقِيَّةً، وتَقْوى) . وإذا قلت: (اتَّقَيت) ، كان مصدره (الإتقاء) .
وإنما قال: (تتَّقوا) ؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً) ، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلاناً لقاءً حسناً) ، قال القُطامي:
وليس بأنْ تتَّبعه اتِّباعا
وقال أيضًا:
ولاح بجانب الجبلين منه ... ركامٌ يَحْفِر التُّربَ احتفارا
وقال بعض النحويين: (تقاة) اسم وضع موضع المصدر كما يقال: (جَلَسَ جَلْسَةً) ، و (رَكِبَ رِكْبَةً) ، وكما قال:
وبَعْدَ عطائِكَ المائةَ الرِّتاعا
فأجراه مجْرَى الإعطاء.
قال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة) ، فتكون حالاً مؤكدة.