وما هو واقع بين الناس في الماضي والحاضر من أنهم يطلبون الذكر دون الأنثى، وأنهم يرون في كثرة البنين نصرة وفخارا، وفي البنت غير ذلك، ولكن لو أننا قلنا إن المراد الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا لكان في النص القرآني متسع، لأن الابن يطلق ويراد الذكر والأنثى على سبيل المجاز، وإن محبة الولد بعد ولادته أمر فطري لَا فرق بين ذكر وأنثى، وإن كان الكثيرون يرغبون في الذكور دون الإناث فإن ذلك لَا ينفي المحبة الفطرية لأولاده جميعا، والعرب أنفسهم كانوا يحبون بناتهم وإن كانوا لَا يعتزون إلا بالبنين. وإني أميل إلى هذا؛ فالأولاد جميعا ثمرات القلوب وقرة الأعين، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة".
والمرتبة الثالثة: حب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. روى أن النبي
-صلى الله عليه وسلم - قال:"القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية"وإن كانت الأوقية التي نعرفها هي
الأوقية التي أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فالقنطار الذي نعرفه في مصر هو القنطار الذي ذكر في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن القنطار (1200) أوقية لأنه مائة رطل والرطل (12) أوقية. وقد قال الزجاج في أصل معنى القنطار: إنه مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، تقول العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها، والقنطرة المعقود، فكأن القنطار شيء محكم يسع ذلك المال، أو أنه جمع قدر كبير من المال متراص الأجزاء محكم الربط. والمقنطرة معناها مضاعفة مقادير القنطار، فمعنى قناطير مقنطرة عدد كثير من القناطير متضاعف، كقولك ألوف مؤلفة، وأضعاف مضاعفة، والمراد أن كثرة المال أمر محبوب مطلوب زين للناس حبها، ومحبة المال الكثير قد أودعت قلوب الناس؛ لأنهم رأوا أنه السبيل إلى طلب ملاذ هذه الحياة، فلا يجد غايته من النساء إلا ذو مال، ولا غايته من إشباع الحاجات إلا ذو المال؛ ولقد قالت عائشة رضي الله عنها:"رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهينا"وقالت رضي الله عنها أيضا:"إن أحساب ذوي الدنيا بنيت على المال".