ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري ومسلم:"ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". وقد يقول قائل إن المرأة من المكلفين ومن الناس فلماذا ذكر حب الرجال للنساء، ولم يذكر حب النساء للرجال، وكلاهما فطري في الطبع الإنساني؟ وقد أجاب عن ذلك بعض المفسرين بأن طلب الرجل للمرأة أشد وأقوى وأحد، وكثير من الرجال من يفتتنون بالنساء، وقليل من النساء من تظهر فتنتهن بالرجال، والحس يؤيد طلب الرجل للمرأة، فهو يبذل النفس والنفيس في طلبها، ولا يعرف من النساء إلا قليلا من يبذل ذلك.
والرأي عندي أن ذكر حب الرجال للنساء فيه إشارة إلى علاقة المحبة المتبادلة بين الفريقين؛ فهي إشارة إلى تلك العلاقة الفطرية من الجانبين، فذكر محبة الرجل للمرأة فيه تنبيه إلى محبة المرأة للرجل، وما يستفاد بالإشارة يستغني فيه عن العبارة، واكتفى بذكر حب الرجل لأن حبه الأوضح، ولأنه الأشد، ولأنه الذي يؤدي في جملة أحواله إلى الفتنة، ولأن المرأة مجيبة في هذا الباب لَا طالبة، وإن سبقت هي بالمحبة حاولت أن تخلق الطلب في نفس من تحب.
وحب النساء ليس شرا؛ لأن الله جعل المرأة رحمة للرجل، إنما يكون الشر في الإسراف في الطلب حتى يكون النساء خلب كبده، وفي طلب الحرام، وفي طلب الجمال من غير ملاحظة الدين؛ فلقد قال - صلى الله عليه وسلم:"إياكم وخضراء الدِّمن"،
وقال - صلى الله عليه وسلم -"تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، ليك بذات الدين تربت يداك".
ولقد قال - صلى الله عليه وسلم:"من أراد أن يلقى اللهَ طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر".
المرتبة الثانية: حب البنين، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء، لأن البنين ثمرة الحب الأول، وفيه إشارة إلى التوجيه الإسلامي، وهو أن يكون حب النساء ذريعة إلى الإنجاب والنسل لَا لذاته، كما قال - صلى الله عليه وسلم:"تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة". وهل المراد من البنين الذكور فقط؛ الظاهر ذلك، ويزكي هذا قوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .) .