وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة ، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها . ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل فِي الدنيا من الخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا"فالشيطان يعدكم الفقر فِي غد الدنيا ، والرحمن يعدكم المغفرة فِي غد العقبى ، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه ، وغد العقبى مقطوع به . وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفة أخرى ، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله تعالى لا يخلف الميعاد . ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما فِي الآخرة فإنه لا مانع منه . وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود فِي الآخرة فإنه باق لا يزول . وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة ، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص . والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب ، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة"منه"فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق . ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه فِي آية أخرى {فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات} [الفرقان: 70] أو أن يجعل شفيعاً فِي غفران ذنوب إخوانه المؤمنين . وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء ، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي ، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة نفسانية ، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال