(إذ قال لبنيه) يعني لأولاده الإثني عشر (ما تعبدون) أي أيُّ شيء تعبدون، وإنما جاء بما دون من لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان والنار والشمس والكواكب (من بعدي) أي من بعد موتي (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق) وإسماعيل وان كان عماً ليعقوب فإن العرب تسمي العم أباً والخالة أماً، وعم الرجل صنو أبيه، وقرئ أبيك فقيل أراد إبراهيم وحده ويكون إسماعيل وإسحاق عطفاً على أبيك وإن كان هو أباه حقيقة وإبراهيم جده، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل أبيك جمع كما روي عن سيبويه أن أبين جمع سلامة ومثله أبون، وقدم إسماعيل على إسحاق لأنه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة وأنه جد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم (إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) أي مخلصون التوحيد والعبودية.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)
(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) تلك إشارة إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه، وما بعده بيان لحال تلك الأمة وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه لا ينفعه كسب غيره ولا يناله منه بشيء، ولا يضره ذنب غيره، وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه ويروح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث [من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبة] والمراد أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيئآتهم، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين تبعاً لآبائهم، قال ابن فارس: وفيه إثبات الكسب للعبد (ولا تسئلون عما كانوا يعملون) أي عن أعمالهم كما لا يسئلون عن أعمالكم، ومثله (ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) .
انتهى انتهى. {فتح البيان في مقاصد القرآن حـ 1 صـ} .