وهذا بعد منا سبته لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئاً من المثالب. ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته ، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ظاهرة. وقيل: هو أمر بالإحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة. وهذا تأويل من حمل قوله {ووضعنا عنك وزرك} [الشرح: 2] على آثام الجاهلية: وقيل: معناه نساءك طهرهن. وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم. قوله {والرجز فاهجر} هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا ، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله {وثيابك فطهر} على تحسين الأخلاق والإجتناب عن المعاصي {ولا تمنن تستكثر} لا تعط مستكثراً رائياً لما أعطيته كثيراً بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام ، وهذا نهاية الكرم على أن الإستكثار ينبئ على المنة وهي مبطلة للعمل كما قال {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 267] فقوله {تستكثر} مرفوع والجملة في موضع الحال منصوباً ، ويجوز أن يكون الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم"أن"وأبطل عملها كما روي"ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى"بالرفع. واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن مقدراً الإستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائداً به غدأً. وأقول: هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد غداً. وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الإستقراض وهو أن يهب شيئاً طامعاً في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه جاء في الحديث"المستغزر يثاب من هبته"ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصاً برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا خصوصاً بهذا الوجه ، ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل