وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق قوله: {ما سلككم} ؟ وهو سؤال للمجرمين ، قوله: {يتساءلون عن المجرمين} ؟ وهو سؤال عنهم ، وإنما كان يطابق ذلك لو قيل يتساءلون عن المجرمين ما سلككم؟ قلت: {ما سلككم} ليس ببيان للتساؤل عنهم ، وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم ، لأن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون: قلنا لهم {ما سلككم في سقر} ، {قالوا لم نك من المصلين} ، إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار ، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه.
انتهى ، وفيه تعسف.
والأظهر أن السائلين هم المتسائلون ، وما سلككم على إضمار القول كما ذكرنا ، وسؤالهم سؤال توبيخ لهم وتحقير ، وإلا فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار.
والجواب أنهم لم يكونوا متصفين بخصائل الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ثم ارتقوا من ذلك إلى الأعظم وهو الكفر والتكذيب بيوم الجزاء ، كقولهم: {فلا اقتحم العقبة} ثم قال: {ثم كان من الذين آمنوا} واليقين: أي يقيناً على إنكار يوم الجزاء ، أي وقت الموت.
وقال ابن عطية: واليقين عندي صحة ما كانوا يكذبون من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخر.
وقال المفسرون: اليقين: الموت ، وذلك عندي هنا متعقب ، لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي.
وإنما اليقين الذي عنوا في هذه الآية الشيء الذي كانوا يكذبون به وهم أحياء في الدنيا فتيقنوه بعد الموت ، وإنما يتفسر اليقين بالموت في قوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} : ليس المعنى أنهم يشفع لهم فلا تنفع شفاعة من يشفع لهم ، وإنما المعنى نفي الشفاعة فانتفى النفع ، أي لا شفاعة شافعين لهم فتنفعهم من باب:
على لاحب لا يهتدي بمناره ...
أي: لا منار له فيهتدي به.
وتخصيصهم بانتفاء شفاعة الشافعين يدل على أنه قد تكون شفاعات وينتفع بها ، ووردت أحاديث في صحة ذلك.