وقال سعيد بن جبير: لمّا نزل قوله: {يا أيها المزمل} مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله تعالى ، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه ، فأنزل الله سبحانه بعد عشر سنين {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى} الآية [المزمل: 20] . فخفف عنهم بعد عشر سنين.
وقال مقاتل وابن كيسان: كان هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس ، ثمّ نسخ ذلك بالصلوات الخمس . وقال ابن عباس: لما نزل أول المزمّل كانوا يقومون نحو من قيامهم في شهر رمضان ، وكان بين أولها وآخرها سنة . وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ، قالت:"كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلّي عليه من الليل ، فتسامع الناس به ، فاجتمعوا فلمّا تكثر جماعتهم ، كره ذلك وخشى أن يكتب عليهم قيام الليل ، فدخل البيت كالمغضب ، فجعلوا يتنحنحون ويشتغلون حتّى خرج إليهم ، فقال:"يا أيُّها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإنّ الله لا يملّ من الثواب حتّى تملّوا من العمل وإنّ خير العمل أدومه وان قلّ"فنزلت عليه: {يا أيها المزمل * قُمِ الليل} فكُتبت عليهم وانزلت بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل فيتعلق به ، فمكثوا ثمانية أشهر ، فلمّا رأى الله ما يكلّفون ويبتغون به وجه الله ورضاه رحمهم فوضع ذلك عنهم فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} الآية".
فردّهم إلى الفريضة ووضع عنهم قيام الليل إلاّ ما تطوعوا به.
وقال الحسن: في هذه الآية الحمد لله تطوع بعد فريضة.