قال القرطبي: والأوّل أصحّ ، فإن قيام الليل ما فرض كله قط ، قال مقاتل وغيره: لما نزل {قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 2 4] شقّ ذلك عليهم ، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه ، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ ، فانتفخت أقدامهم ، وانتقعت ألوانهم ، فرحمهم الله ، وخفف عنهم فقال: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} أي: علم أن لن تحصوه ؛ لأنكم إن زدتم ثقل عليكم واحتجتم إلى تكلف ما ليس فرضاً ، وإن نقصتم شق ذلك عليكم.
{فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: فعاد عليكم بالعفو ، ورخص لكم في ترك القيام.
وقيل: فتاب عليكم من فرض القيام إذا عجزتم ، وأصل التوبة الرجوع ، كما تقدّم ؛ فالمعنى: رجع بكم من التثقيل إلى التخفيف ، ومن العسر إلى اليسر.
{فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان} أي فاقرءوا في الصلاة بالليل ما خف عليكم ، وتيسّر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتاً.
قال الحسن: هو ما نقرأ في صلاة المغرب والعشاء.
قال السديّ: ما تيسّر منه هو مائة آية.
قال الحسن: أيضاً من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن.
وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين.
وقال سعيد: خمسون آية.
وقيل: معنى {فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} : فصلوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل ، والصلاة تسمى قرآناً ، كقوله: و {أَقِمِ الصلاة} [الإسراء: 78] .
قيل: إن هذه الآية نسخت قيام الليل ونصفه ، والنقصان من النصف والزيادة عليه ، فيحتمل أن يكون ما تضمنته هذه الآية فرضاً ثابتاً ، ويحتمل أن يكون منسوخاً لقوله: {وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79] .
قال الشافعي: الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين.
فوجدنا سنة رسول الله تدلّ على أن لا واجب من الصلاة إلاّ الخمس.