أي: أرسل الله - تعالى - على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال وثمانية أيام، فدمرتهم تدميرا، وصار الرائي ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا على الأرض هلكى، كأنهم في ضخامة أجسادهم ... جذوع نخل ساقطة على الأرض، وقد انفصلت رءوسها عنها.
وعبر - سبحانه - بقوله: فَتَرَى الْقَوْمَ ... لاستحضار صورتهم في الأذهان، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم، وبما حل بهم.
والتشبيه بقوله: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ المقصود منه تشنيع صورتهم، والتنفير من
مصيرهم السّيّئ، لأن من كان هذا مصيره، كان جديرا بأن يتحامى، وأن تجتنب أفعاله التي أدت به إلى هذه العاقبة المهينة.
والاستفهام في قوله: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ للنفي، والخطاب - أيضا - لكل من يصلح له، وقوله باقِيَةٍ صفة لموصوف محذوف .. أي: فهل ترى لهم من فرقة أو نفس باقية.
ثم بين - سبحانه - النهاية السيئة لأقوام آخرين فقال: وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً.
وفرعون: هو الذي قال لقومه - من بين ما قال - أنا ربكم الأعلى ... وقد أرسل الله - تعالى - إليه نبيه موسى - عليه السلام - ولكنه أعرض عن دعوته .. وكانت نهايته الغرق.
والمراد بمن قبله: الأقوام الذين سبقوه في الكفر، كقوم نوح وإبراهيم - عليهما السلام - .
والمراد بالمؤتفكات: قرى قوم لوط - عليه السلام - التي اقتلعها جبريل - عليه السلام - ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها، مأخوذ من ائتفك الشيء إذا انقلب رأسا على عقب.
قال - تعالى - جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ.
والمراد بالمؤتفكات هنا: سكانها وهم قوم لوط الذين أتوا بفاحشة ما سبقهم إليها أحد من العالمين.
وخصوا بالذكر، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها .. ولمرور أهل مكة على قراهم وهم في طريقهم إلى الشام للتجارة، كما قال - تعالى -: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ