{إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ} عن الشرك {عِندَ رَبِّهِمْ} أي في الآخرة {جنات النعيم} جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص بخلاف جنات الدنيا {أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين} استفهام إنكار على قولهم لو كان ما يقول محمد حقاً فنحن نعطي في الآخرة خيراً مما يعطي هو ومن معه كما في الدنيا.
فقيل لهم: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين؟ ثم قيل لهم على طريقة الالتفات {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هذا الحكم الأعوج وهو التسوية بين المطيع والعاصي ، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم {أَمْ لَكُمْ كتاب} من السماء {فِيهِ تَدْرُسُونَ} تقرؤون في ذلك الكتاب {إنّ لكم فيه لما تخيّرون} أي إن ما تختارونه وتشتهونه لكم.
والأصل تدرسون أن لكم ما تخيرون بفتح"أن"لأنه مدروس لوقوع الدرس عليه ، وإنما كسرت لمجيء اللام ، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين * سلام على نُوحٍ} [الصافات: 78 - 79] .
وتخير الشيء واختاره أخذ خيره {أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا} عهود مؤكدة بالأيمان {بالغة} نعت {أيمان} ويتعلق {إلى يَوْمِ القيامة} ببالغة أي أنها تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم ، أو بالمقدر في الظرف أي هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج من عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} به لأنفسكم وهو جواب القسم لأن معنى {أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا} أم أقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد.