وقال الرازي: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الإلتفات والمراد به التقرير والزجر، وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة. وكررت هذه اللفظة في هذه السورة إما للتأكيد، ولا يعقل لخصوص العدد معنى، قال الجلال المحلي: والإستفهام فيها للتقرير، لما روي الحاكم. عن جابر قال: قرأ علينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد"، قلت: ويؤخذ من هذا أنه يسن لسامع القارئ لهذه السورة أن يجيبه بالجواب المذكور؛ كلما قرأ الآية المذكورة، كما فعلت الجن وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولام على الصحابة في سكوتهم، وصرح بالسنية الكازروني في تفسيره، وصنيع أبي السعود يقتضي أن الإستفهام للتوبيخ والإنكار، ولفظه الفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فضل من فنون النعم، وصنوف الآلاء الموجبة للشكر والإيمان حتماً والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية، والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير، وتشديد التوبيخ، وقرئ آلاء على أصله بالمد والتوسط والقصر في جميع هذه السورة."
ولما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما، ذكر خلق العالم الصغير وقال:
(خلق الإنسان) وهذا تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بواجب شكر النعم، المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين، والمراد بالإنسان هنا آدم. قال القرطبي بالاتفاق من أهل التأويل، ولا يبعد أن يراد به الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم (من صلصال) أي: من طين يابس يسمع له صلصلة أي: صوت إذا نقر أي ليختبر هل فيه عيب أو لا؟ وقيل هو طين خلط برمل وقيل: هو الطين المنتن يقال: صل اللحم وأصل، إذا أنتن، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر.