{فذكر} .. والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليظل في تذكيره لا يثنيه سوء أدبهم معه ، وسوء اتهامهم له. وقد كانوا يقولون عنه مرة: إنه كاهن. ويقولون عنه مرة: إنه مجنون. ويجمع بين الوصفين عندهم ما كان شائعاً بينهم أن الكهان يتلقون عن الشياطين. وأن الشيطان كذلك يتخبط بعض الناس ، فيصابون بالجنون. فالشيطان هو العامل المشترك بين الوصفين: كاهن أو مجنون! وكان يحملهم على وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الوصف أو ذاك ، أو بقولهم إنه شاعر أو ساحر. كان يحملهم على هذا كله موقفهم مبهوتين أمام القرآن الكريم المعجز الذي يبدههم بما لم يعهدوا من القول ، وهم أهل القول! ولما كانوا لا يريدون - لعلة في نفوسهم - أن يعترفوا أنه من عند الله ، فقد احتاجوا أن يعللوا مصدره المتفوق على البشر. فقالوا: إنه من إيحاء الجن أو بمساعدتهم. فصاحبه إما كاهن يتلقى من الجن ، أو ساحر يستعين بهم ، أو شاعر له رئيٌّ من الجن ، أو مجنون به مس من الشيطان ينطقه بهذا القول العجيب!
وإنها لقولة فظيعة شنيعة.
فالله - سبحانه - يسلي رسوله عنها ، ويصغر من شأنها في نفسه. وهو يشهد له أنه محوط بنعمة ربه ، التي لا تكون معها كهانة ولا جنون: {فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} ..
ثم يستنكر قولهم: إنه شاعر: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون؟} .. وقد قالوها. وقال بعضهم لبعض: اصبروا عليه ، واثبتوا على ما أنتم فيه ، حتى يأتيه الموت ، فيريحنا منه! وتواصوا أن يتربصوا به الموت المريح. ومن ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم في تهديد ملفوف: {قل: تربصوا. فإني معكم من المتربصين} .. وستعلمون من تكون له العاقبة ، ومن ينتهي به التربص إلى النصر والظهور.