ولقد كان شيوخ قريش يلقبون بذوي الحلوم. أو ذوي الأحلام. إشارة إلى رجاحة عقولهم وحكمتهم في تصريف الأمور. فهو يتهكم بهم وبأحلامهم تجاه الإسلام. وموقفهم منه ينافي الحكمة والعقل ، فيسأل في تهكم: أهذه الأوصاف التي يصفون بها محمداً - صلى الله عليه وسلم - وتلك المواقف التي يقفونها من رسالته كانت من وحي أحلامهم؟ أم أنهم طغاة ظالمون لا يقفون عند ما تمليه الأحلام والعقول:
{أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ أم هم قوم طاغون} !
وفي السؤال الأول تهكم لاذع. وفي السؤال الثاني اتهام مزر. وواحد منهما لا بد لاحق بهم في موقفهم المريب!
ولقد تطاولت ألسنتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتهموه بافتراء ما يقول. فهو هنا يسأل في استنكار: إن كانوا يقولون: تقوَّله: كأن هذه الكلمة لا يمكن أن تقال. فهو يسأل عنها في استنكار: {أم يقولون تقوَّله؟} .. ويبادر ببيان علة هذا القول الغريب: {بل لا يؤمنون} . فعدم استشعار قلوبهم للإيمان ، هو الذي ينطقهم بمثل هذا القول ؛ بعد أن يحجبهم عن إدراك حقيقة هذا القرآن. ولو أدركوها لعلموا أنه ليس من صنع بشر ؛ وأنه لا يحمله إلا صادق أمين.
وما دامت قلوبهم لا تستشعر حقيقة هذا التنزيل ؛ فهو يتحداهم إذن ببرهان الواقع الذي لا يقبل المراء {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} .
وقد تكرر هذا التحدي في القرآن الكريم ؛ وتلقاه المنكرون عاجزين ، ووقفوا تجاهه صاغرين. وكذلك يقف أمامه كل أحد إلى يوم الدين.