مشعرة بالعموم، والكاتبُ مؤكد لخصوص نفسه بالتسليم، مشعر بسلامة وده للمكتوب إليه، ولا سيما عند افتتاح الكلام، ليشعر المكتوب إِليه الأنس والسلام من الكاتب على الخصوص من غير التفات إلى طلب العموم.
وهذا المعنى كله إنما يحصل بإسقاط"الألف واللام".
فإذا ختم الرسالة قال:"والسلام عليك"معرفاً، وذلك لثلاث فوائد:
إحداها: أن الخصوص بسلام الكاتب قد حصل في أول الكتاب ووقع الأنس
به، فكان العموم هنا أبلغ في الدعاء، فإنه لا يخص نفسه بل يجمع له سلامة وسلام غيره.
والفائدة الثانية: أن يختم باسم من أسماء الله تعالى، كما فعل في الصلاة.
طلباً للأجر وتبركا بالذكر. واكتفى في أول الرسالة بـ بسم الله الرحمن الرحيم.
وحسبك به ذكراً.
والفائدة الثالثة بديعة جداً، وهي أن"الواو"العاطفة توجب بناء الكلام على ما تقدم لا تقول كما قال القتبي:"إنهم أرادوا السلام المتقدم عليكم"، لما رأى أن"الألف واللام"تكون للعهد، فإن في ذلك نقصاً في الأدب، وشحا بسلام مجدد، وإخلالاً بمقاصد السلف، لأنهم لا يردون: السلام المتقدم عليك. وهذا غث من القول! ولكن أشعرت"الواو"بعطف فصل على فصل من الكتاب، فلما فرغ منها قال:"والسلام عليك"يريد: وبعد هذا كله"السلام عليك".
وقد تقدم أن"السلام"إذا انبنى على اسم مجرور قبله كان بالألف واللام.
كقولك: (عليك السلام) ، وإن لم يكن ههنا مجرور فالواو مشعرة به ومغنية عن ذكره.
وهذا المعنى الذي لحظه كتَّابُ السلف وقلدهم فيه الخلف، بل ما تقول إلا
أنها حكمة نبوية وفصاحة شرعية موروثة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والسعيد من فهم عنه، واقتبس العلم من لدنه، والحمد لله. انتهى انتهى. {نتائج الفكر في النَّحو / للسهيلي صـ 319 - 322} .