والذي دعا المتأوِّلين قولَه:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"- في التأويل الذي ذُكر عن الحسن - إلى ما قالوا في ذلك، أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها - إذ قال لهم ربهم:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"-:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، إخبارًا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبرَ الله جل ثناؤه أنه جاعله في الأرض لا عنْ غيره. لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنهُ جرتْ. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك - وكان الله قد بَرّأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وطهَّره من ذلك - عُلم أن الذي عنى به غيرَه من ذرّيته. فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غيرُ آدم، وأنهم وَلدُه الذين فعلوا ذلك، وأن معنى الخلافة التي ذكرَها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنًا غيرَهم لما وصفنا.
وأغفل قائلو هذه المقالة، ومتأوّلو الآية هذا التأويل، سبيلَ التأويل. وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربها:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، لم تُضف الإفساد وسفك الدماء في جَوابها ربَّها إلى خليفته في أرضه، بل قالت:"أتجعل فيها من يُفسد فيها"؟
وغير مُنْكَر أن يكون ربُّها أعلمها أنه يكون لخليفتِه ذلك ذرّيةٌ يكون منهم الإفساد وسفك الدماء، فقالت: يا ربنا"أتجعل فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء". كما قال ابن مسعود وابن عباس، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في الأرض خليفة:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، ولم يكن آدمُ بعد مخلوقًا ولا ذُرّيته، فيعلموا ما يفعلونَ عيانًا؟ أعلمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت من ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادة منها بالظنّ وقولٌ بما لا تعلم. وذلك ليس من صفتها. أمْ ما وجه قيلها ذلك لربها؟