بمعنى:"أجدّك لستَ بِرَاءٍ"، فردّ"متداركًا"على موضع"ترى"، كأنْ"لست"و"الباء"موجودتان في الكلام. فكذلك قوله:"وإذ قالَ رَبُّك"، لمّا سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قِبَلهم وقِبَل آبائهم من أياديه وآلائه، وكانَ قوله:"وإذ قال ربك للملائكة"مع ما بعده من النعم التي عدّدها عليهم ونبّههم على مواقعها - رَدّ"إذْ"على موضع"وكنتم أمواتًا فأحياكم". لأن معنى ذلك: اذكروا هذه من نعمي، وهذه التي قلت فيها للملائكة. فلما كانت الأولى مقتضية"إذ"، عطف بـ"إذ"على موضعها في الأولى، كما وصفنا من قول الشاعر في"ولا متدارك".
القول في تأويل قوله: {لِلْمَلائِكَةِ}
قال أبو جعفر: والملائكة جمع مَلأكٍ، غيرَ أن أحدَهم، بغير الهمزة أكثرُ وأشهر في كلام العرب منه بالهمز.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ}
اختلف أهل التأويل في قوله:"إني جاعل"، فقال بعضهم: إني فاعل.
وقال آخرون: إني خالق.
قال أبو جعفر: والصواب في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة": أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة.
وقيل: إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي"مكة".
عن ابن سابط: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دُحِيت الأرضُ من مكة، وكانت الملائكة تطوفُ بالبيت، فهي أوّل من طاف به، وهي"الأرضُ"التي قال الله:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، وكان النبيّ إذا هلك قومه، ونجا هو والصالحون، أتاها هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا. فإنّ قَبر نُوحٍ وهودٍ وصَالحٍ وشعَيْب، بين زَمزَم والرُّكن والمَقَام.
القول في تأويل قوله: {خَلِيفَةً}