ثمّ قال: والدّرجة الثالثة حَقُّ اليَقين ، وهو إِسْفارُ صُبْح الكَشْف ، ثم الخلاصُ من كُلْفَة اليَقين ، ثم الفناءُ فِي حَقّ اليقين.
انتهى كلامه.
والحق إِنَّ هذه الدّرجة لا ينالها فِي هذا العالم إِلاَّ الرّسلُ صلوات الله وسلامه عليهم ، فإِنَّ نبيّنا صلَّى الله منه إِليه بلا واسط ة وكَلَّمة تكليماً ، وتَجَلَّى للجبل وموسى ينظر فجَعَلَه دكّاً هشيماً ، فحصل لهما حقُّ اليقين ، وهو ذَوْقُ ما أَخبر به الرّسولُ من حقائق الإِيمان المتعلِّقة بالقلوب ، وأَنَّ القلبَ إِذا باشرها وذاقَها صارت فِي حقِّه حَقَّ يقين.
وأَمّا فِي أُمُور الآخرةَ والمعاد ، ورُؤية الله جَهْرَةً عياناً ، وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة ، فحظُّ المُؤمن منه فِي هذه الدّار الإِيمانُ به.
وعلْمُ اليَقين وحَقُّ اليقين يتأَخَّر إِلى وقت اللِّقاءِ ، لكنَّ السّالك عند القوم ينتهى إِلى الفناءِ ويتحقَّق شهود الحقيقة ، ويصل إِلى عين الجمع.
قال: حقّ اليقين هو إِسفار صبح الكَشْف ، يعني تحقُّقه وثُبُوته
وغَلَبَة نوره على ظُلْمَة ليل الحجاب ، فينتقل من طَوْر العلم إِلى الاسْتِغْراق فِي الفَناء عن الرّسْم بالكُلِّيَّة.
وقولُه ثُمّ الخلاصُ من كلفة اليقين ، يعني أَنَّ اليقين له حقوق يجب على صاحبه أَن يؤدِّيَها ويقومَ به ويَتَحَمَّل كُلَفَها ومَشاقَّها ، فإِذا فَنِىَ فِي التَّوْحيد حَصَل له أُمورٌ أُخرَى رفيعةٌ عالية جدّاً يصير فيها محمولاً بعد أَن كان حاملاً ، وظاهراً بعد أَن كان ساتراً ، فتزول عنه كلفةُ حَمْل تلك الحقوق.