فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحَقِّ سبحانه من أَسمائه وصفاته ونُعُوتِ كَمالِه وتوحيده وهذه الثلاثة هي أَشرفُ عُلُوم الخلائِق ، عِلْمُ الأَمْرِ والنَّهْىِ ، وعِلْمُ الأَسماءِ والصّفات والتَّوْحِيد ، وعِلْمُ المعَاد واليَوْم الآخر.
قال: الثانية: عين اليَقين وهو المَعْنِيّ بالاسْتِدْراك عن الاسْتِدْلال ، وعن الخَبَرِ بالعَيان ، وخَرْق الشُّهود حجابَ العِلْم.
والفَرْقُ بين عِلْم اليَقِين وعَيْن اليقين كالفَرْقِ بين الخَبَر الصادِق والعَيان ، وحَقُّ اليَقين فَوْقَ هذا.
وقد مُثِّلَت المراتب الثلاثة بمن أَخبرك [أَنَّ] عنده عَسَلاً وأَنت لا تَشُكَّ فِي صِدْقه ، تمَّ أَراك إِيّاه فازددت يقينا ، ثم ذُقْت منه ، فالأَوّل عِلْمُ يَقِين ، والثاني عَيْنُ يَقِين ؛ والثالث حَقُّ يَقِين.
فعِلْمُنا الآن بالجنَّة والنَّار عِلْمُ يَقينٍ ، فإِذا
أَزْلِفَتِ الجنَّة فِي المَوْقف وشاهَدَها الخلائِقُ ، وبُرِّزت الجَحيم وعاينها الخلائِق ، فذلك عَيْنُ اليَقين ، فإِذا دخل أَهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأَهلُ النَّار النَّارَ فذلك هو حَق اليقين.
وقوله المَعْنَيُّ بالاسْتدراك عن الاسْتدلال ، يُريد بالاسْتدراك الإِدْراكَ والشُّهودَ ، يعني أَنَّ صاحبَه قد استغنَى به عن طَلَب الدّليل ، فإِنَّه إِنَّما يَطْلُب الدَّليلَ ليحصلَ له العلَمُ بالمَدْلُول فإِذا كان المدلولُ مُشاهَداً له وقد أدركه بكَشْفه ، فأَيّ حاجة به إِلى الاستدرال؟ وهذا معنى الاستغناء عن الخَبَر بالعَيان.
وأَمّا قوله وخَرْق الشهود حجابَ العلم ، فيريد به أَنَّ المعارف التي تحصُل لصاحب هذه الدرجة هي من الشُّهود الخارق لحجاب العلْم ، فإِنَّ العلْم حجابٌ على المَشْهُود ، ففى هذه الدّرجة يرتفع الحجابُ ويُفْضى إِلى المعلوم بحيث يُكافحُ قَلْبَه وبَصيرَتَه.