ليلة كاد يلتقي طرفاها ... قِصَراً وهي ليلة الميعادِ
وكما قالوا:
وليلةٍ زَيْنُ ليالي الدهر ... قابلتُ فيها بدرها ببدر
لم تَسْتَبِن عنْ شققٍ وفجرِ ... حتى تولَّت وهي بِكْرُ الدهر
وأمَّا إن كان الوقتُ وقتَ مقاساةِ فُرقة وانفرادٍ بكُرْبة فَلَيْلُهم طويل، كما قالوا:
كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها ... أفْنَيْتُها قابضاً على كبدي
قد غُصَّت العينُ بالدموع وقد ... وضعتُ خدي على بنان يدي
قوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة: 16] : قومٌ خوفاً من العذاب وطمعاً في الثواب، وآخرون خوفاً من الفراقِ وطمعاً في التلاقي، وآخرون خوفاً من المكر وطمعاً في الوَصْلِ.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} : يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به؛ فإنْ طَهَّرْنا أحوالَهم عن الكدورات حضروا بأحوالٍ مُقَدَّسة، وإِنْ دَنَّسَّا أوقاتهم بالآفاتِ شهدوا بحالاتٍ مُدّنَّسَة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ؛ فالعبدُ إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سَيِّدُه:
يفديكَ بالروح صَبٌّ لو يكون له ... أعزّ من روحه شيء فداك به
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
إنما تَقَرُّ عينُكَ برؤية مَنْ تحبه، أو ما تحبه؛ فطالبْ قلبكَ وراع حالك، فيحصل اليومَ سرورُك، وكذلك غداً .. وعلى ذلك تحشر؛ ففي الخبر:
"مَنْ كان بحالة لقي الله بها".
ثم إنّ وصفَ ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحدٌ - مُحَالٌ، اللهم أن يُقال: إنها حال عزيزة، وصفةٌ جَليلة. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 3 صـ 142 - 144}