وهذه الصفة التي تضمنتها الصلة هي حالهم التي عُرفوا بها لقوة إيمانهم وتميزوا بها عن الذين كفروا ، وليست تقتضي أن من لم يسْجدوا عند سماع الآيات ولم يسبّحوا بحمد ربّهم من المؤمنين ليسوا ممّن يؤمنون ، ولكن هذه حالة أكمل الإيمان وهي حالة المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عرفوا بها ، وهذا كما تقول للسائل عن علماء البلد: هم الذين يلبسون عمائم صفتها كذا.
جاء في ترجمة مالك بن أنس أنه ما أفتى حتى أجازه سبعون محنَّكاً ، أي عالماً يجعل شُقة من عمامته تحت حنكه وهي لبسة أهل الفقه والحديث.
قال مالك رحمه الله: قلت لأُمي: أذهبُ فأكتبُ العلم ، فقالت: تعالَ فالبسْ ثياب العلم.
فألبستني ثياباً مشمّرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها.
والخرور: الهُوِيّ من علوّ إلى سفل.
والسجود: وضع الجبهة على الأرض إرادة التعظيم والخضوع.
وانتصب {سُجداً} على الحال المبينة للقصد من {خرُّوا ،} أي: سجداً لله وشكراً له على ما حبَاهم به من العلم والإيمان كما دل عليه قرنه بقوله {وسبَّحوا بحمد ربهم.} والباء فيه للملابسة وتقدم في سورة الإسراء (107) : {إن الذين أوتوا العلم مِن قبله إذا يُتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً} ودلّت الجملة الشرطية على اتصال تعلق حصول الجواب بحصول الشرط وتلازمهما.
وجيء في نفي التكبر عنهم بالمسند الفعلي لإفادة اختصاصهم بذلك ، أي دون المشركين الذين كان الكبر خلقهم فهم لا يرضون لأنفسهم بالانقياد للنبيء منهم وقالوا: {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً} [الفرقان: 21] .
وقوله تعالى: {وهم لا يستكبرون} موضع سجدة من سجدات تلاوة القرآن رجاء أن يكون التالي من أولئك الذين أثنى الله عليهم بأنهم إذا ذُكِّروا بآيات الله سجدوا ، فالقارئ يقتدي بهم.