وذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت البغداديّ قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن عثمان الصفّار قال حدّثنا أبو بكر حامد المصري قال حدّثنا يحيى بن أيوب العلاف قال حدثنا سليمان بن مُهير الكلابيّ قال: حضرت مالك بن أنس رضي الله عنه فأتاه رجل فسأله: أبا عبد الله ، البراغيث أمَلَك الموت يقبض أرواحها؟ قال: فأطرق مالك طويلاً ثم قال: ألها أنفس؟ قال: نعم.
قال: مَلَك الموت يقبض أرواحها ؛ {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا} [الزمر: 42] .
قال ابن عطية بعد ذكره الحديث: وكذلك الأمر في بني آدم ، إلا أنه نوعٌ شُرِّف بتصرف مَلَك وملائكة معه في قبض أرواحهم.
فخلق الله تعالى مَلَك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح ، واستلالها من الأجسام وإخراجها منها.
وخلق الله تعالى جنداً يكونون معه يعملون عمله بأمره ؛ فقال تعالى: {وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة} [الأنفال: 50] ، وقال تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} وقد مضى هذا المعنى في"الأنعام".
والبارئ خالق الكل ، الفاعل حقيقة لكل فعل ؛ قال الله تعالى: {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} .
{الذي خَلَقَ الموت والحياة} [الملك: 2] .
{يُحْيِي وَيُمِيتُ} .
فملك الموت يقبض والأعوان يعالجون والله تعالى يُزْهِق الروح.
وهذا هو الجمع بين الآي والأحاديث ؛ لكنه لما كان مَلَك الموت متولّي ذلك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفّي إليه كما أضيف الخلق للملك ؛ كما تقدّم في"الحج".
وروي عن مجاهد أن الدنيا بين يدي مَلَك الموت كالطَّست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث شاء.
وقد روي هذا المعنى مرفوعاً ، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة) .
وروي أن مَلَك الموت لما وكّله الله تعالى بقبض الأرواح قال: ربّ جعلتني أُذكر بسوء ويشتمني بنو آدم.