ومن عجائب الأداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار ، لكن المذكور هنا: {السمع والأبصار . .} [السجدة: 9] فالسمع مفرد ، والأبصار جمع ، فلماذا أفرد السمع وجمع البصر؟
قالوا: لأن الأذن ليس لها غطاء يحجب عنها الأصوات ، كما أن للعين غطاءً يُسْدل عليه ويمنع عنها المرئيات ، فإن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع ، الكل يسمع صوتاً واحداً ، أما المرئيات فمتعددة ، فما تراه أنت قد لا أراه أنا .
ولم يأْتِ البصر مفرداً - في هذا السياق - إلا في موضع واحد هو قوله تعالى: {إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36] ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية ، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى ، فلا بُدَّ أنْ يكون واحداً .
ومن المناسب أن يذكر الحق سبحانه السمع والأبصار والأفئدة بعد الحديث عن مسألة الخَلْق ؛ لأن الإنسان يُولَد من بطن أمه لا يعلم شيئاً ، وبهذه الأعضاء والحواس يتعلّم ويكتسب المعلومات والخبرات كما قال سبحانه: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الإسراء: 78]
إذن: فهذه الأعضاء ضرورية لوجود الإنسان الخليفة في الأرض ، وبها يتعايش مع غيره ، ولا بُدَّ له من اكتساب المعلومات ، وإلاَّ فكيف سيتعايش مع بيئته؟
وقلنا: إن الإنسان لكي يتعلم لا بُدَّ له من استعمال هذه الحواس المدركة ، كل منها في مناطه ، فاللسان في الكلام ، والعين في الرؤية ، والأذن في السمع ، والأنف في الشم ، والأنامل في اللمس .