هذا الماء وصفه الله بأنه {مَّهِينٍ} [السجدة: 8] لأنه يجري في مجرى البول ، ويذهب مذهبه إذا لم يصل إلى الرحم ، وفي هذا الماء المهين عجائب ، ويرحم الله العقاد حين قال: إن أصول ذرات العالم كله يمكن أن تُوضع في نصف كستبان الخياطة ، وتأمل كم يقذف الرجل في المرة الواحدة من هذا المقدار؟ إذن: المسألة دقة تكوين وعظمة خالق ، ففي هذه الذرة البسيطة خصائص إنسان كامل ، فهي تحمل: لونه ، وجنسه ، وصفاته . . الخ .
وسبق أن قلنا في عالم الذر: إن في كل منا ذرة وجزيئاً حياً من لَدُنْ أبيه آدم عليه السلام .
ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ ...} .
وهذه التسوية كانت أولاً للإنسان الأول الذي خلقه الله من الطين ، كما قال سبحانه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] وقد مَرَّ آدم - عليه السلام - في هذه التسوية بالمراحل التي ذكرت ، كذلك الأمر في سلالته يُسوِّيها الخالق - عز وجل - وتمر بمثل هذه المراحل: من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة . . الخ ، ثم تُنفخ فيه الروح .
وإذا كان الإنسان لم يشهد كيفية خَلْقه ، فإن الله تعالى يجعل من المشَاهد لنا دليلاً على ما غاب عَنَّا ، فإنْ كنَّا لم نشهد الخَلْق فقد شاهدنا الموت ، والموت تَقْضٌ للحياة وللخَلْق ، ومعلوم أن نَقْض الشيء يأتي على عكس بنائه ، فإذا أردنا مثلاً هدم عمارة من عدة أدوار فإن آخر الأدوار بناءً هو أول الأدوار هدماً .
كذلك الحال في الموت ، أول شيء فيه خروج الروح ، وهي آخر شيء في الخَلْق ، فإذا خرجت الروح تصلَّب الجسد ، أو كما يقولون (شضَّب) ، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة الصلصالية ، ثم يُنتن وتتغير رائحته ، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون ، ثم يتحلل هذا الجسد ويتبخر ما فيه من مائية ، وتبقى بعض العناصر التي تتحول إلى تراب ليعود إلى أصله الأول .