والبعض يقول: خلق الله آدم على صورته أي على صورة الحق ، فالضمير يعود إلى الله تعالى ، والمراد: على صورة الحق لا على حقيقة الحق ، فالله تعالى حيٌّ يَهَب من حياته حياة ، والله قوي يهب من قوته قوة ، والله غنيٌّ يهب من غِنَاه غِنَي ، والله عليم يَهبُ من علمه علماً .
لذلك قيل:"تخلَّقوا بأخلاق الله"؛ لأنه سبحانه وهبكم صفات من صفات تجلِّيه ، وقد وهبكم هذه الصفات ، فاجعلوا للصفة فيكم مزية وتخلَّقوا بها ، فمثلاً كُنْ قوياً على الظالم ، ضعيفاً متواضعاً للمظلوم ، على حَدِّ قول الله تعالى في صفات المؤمنين: {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ...} [الفتح: 29]
وقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ...} [المائدة: 54]
وهذه الصفات المتناقصة تجتمع في المؤمن ؛ لأنه ليس له طبع واحد ، إنما الموقف والتكليف هو الذي يصبغه ويلويه إلى الصفة المناسبة .
وقلنا: إن علماء التحاليل في معاملهم أثبتوا صِدْق القرآن في هذه الحقيقة ، وهي خَلْق الإنسان من طين حينما وجدوا أن العناصر المكوِّنه لجسم الإنسان هي ذاتها العناصر الموجودة في التربة ، وعددها 16 عنصراً ، أقواها الأكسوجين ، ثم الكربون ، ثم الهيدروجين ، ثم النيتروجين ، ثم الصوديوم ، ثم الماغنسيوم ، ثم البوتاسيوم . . الخ .
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8)
النسل هو الأنجال والذرية ، والسلالة: خلاصة الشيء تُسلُّ منه كما يُسلُّ السيف من غمده ، فالسلالة هي أجود ما في الشيء ، ولذلك نقول: فلان من سلالة كذا ، وفلان سليل المجد . يعني: في مقام المدح . حتى في الخيل يحتفظون لها بسلالات معروفة أصيلة ويُسجلون لها شهادات ميلاد تثبت أصالة سلالتها .
هذا النسل وهذه السلالة خلقها الله من ماء ، وهو منيٌّ الرجل وبويضة المرأة .