وفي سورة الحاقة ، يقول سبحانه: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 41 - 42]
فلما خابتْ كُلُّ هذه الحيل ، وكذبتْ كل هذه الافتراءات قالوا: بل له شيطان يُعلِّمه ، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا يُشَقُّ له غبار في الفصاحة وحُسْن الأداء ، حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكاناً خاصاً بهم ، فقالوا (وادي عبقر) ، وهو مسكن هؤلاء الجن الذي يُلْهِمون البشر ويُعلِّمونهم .
والشعر كلام موزون مُقفَّى ، وله بحور معروفة ، فهل القرآن على هذه الشاكلة؟ لا ، إنما هو افتراء على رسول الله ، كافترائهم عليه هنا: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه . .} [السجدة: 3]
فقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ . .} [السجدة: 3] أم تعني أن لها مقابلاً: يعني: أيقولون كذا؟ أم يقولون: افتراه ، فماذا هذا المقابل؟ المقابل {تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين} [السجدة: 2] فالمعنى: أيُصدِّقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين ، وأنه لا رَيْبَ فيه؟ أم يقولون افتراه محمد ، فأَمْ هنا جاءت لتنقض ما يُفهَم من الكلام السابق عليها .
وقوله: {بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ . .} [السجدة: 3] نعرف أن (بل) تأتي للاستدراك ، لكنها هنا ليست للاستدراك ، إنما لإبطال قولهم: {افتراه . .} [السجدة: 3] كما لو قُلْت: زيد ليس عندي بل عمرو ، فأفادتْ الإضراب عما قبلها ، وإثبات الحكم لما بعدها ، وهم يقولون افتراه والله يقول: {بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ . .} [السجدة: 3ٍ فكلامهم واتهامهم باطل ، والقرآن هو الحق من عند الله .