قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27] أي: لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحار يصير مداداً، وبمقدار ما يقبله ينفق القرطاس ويتكلف الكتاب حتى تنكسر الأقلام وتفنى البحار وتستوفى القراطيس ويفنى عمر الكتاب ما نفدت معاني كلام الله؛ لأن هذه الأشياء وإن كثرت فهي متناهية ومعاني كلامه لا تتناهى لأنها قديمة والمحصور لا يبقى بما لا حصر له.
والإشارة فيه أن الله سبحانه إذا تجلى عبد بصفة المتكلم ينفتح الباب على قلبه من عالم غير متناه فيشار إليه: ما نفدت معاني ما لنا معك من الكلام، والذي يسمعك مما يخاطبك به بحسب الوقت ومقتضى الحال، وما بيننا من المعاتبات والمعاشقات سرّاً بسر وإضماراً بإضمار لا يطويه الزمان ولا يحويه الزمان ولا يحويه المكان، فإنه منطق المحبة من الحبيب الأزلي إلى الحبيب الأبدي فما لنا معك أزلي أبدي غير متناه وما لك معنا فهو أبدي بغير أزلي {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] إن الله عزيز لعزته لا يتكلم إلا مع الأعزة حكيم لحكمته.
وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ} [لقمان: 29] شمس الروح {وَالْقَمَرَ} [لقمان: 29] قمر القلب {كُلٌّ يَجْرِي} بتسخير الحق تعالى {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [لقمان: 29] للوصال والوصول وللفراق والقطيعة.