فهنا وصف الكتاب بأنه حكيم ، وأنه هدى ورحمة: والهدى هو الدلالة على الخير بأقصر طريق ، وقد نزل القرآن لهداية قوم قد ضلوا ، فلما هداهم إلى الصواب وأراهم النور أراد أنْ يحفظ لهم هذه الهداية ، وألاَّ يخرجوا عنها فقال {وَرَحْمَةً} [لقمان: 3] يعني: من رحمة الله بهم ألاَّ يعودوا إلى الضلال مرة أخرى .
كما في قوله سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 82] . فالمعنى: شفاء لمن كان مريضاً ، ورحمة بألاَّ يمرض أبداً بعد ذلك .
ثم يقول الحق سبحانه: {الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة ...} .
جاءت هذه الآية كوصف للمحسنين ، فهل هذه هي كل صفاتهم ، أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وبالآخرة هم يوقنون؟ قالوا: لا لكن هذه الصفات هي العُمد الأساسية ، والحق سبحانه يريد من خَلْقه سواسية في العبودية ، وهذه السواسية لا تتأتى إلا إذا تساوى الجميع .
وفي الصلاة بالذات تتجلى هذه المساواة ، وفيها يظهر عِزّ الربوبية وذل العبودية ، وفيها منتهى الخضوع لله عز وجل ، ثم هي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة .
أما الفرائض الأخرى فلا تأخذ هذه الصورة ، فالزكاة مثلاً تجب مرة واحدة في العام {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وتجب على القادر فقط دون غيره ، كذلك الصوم والحج ، فكأن الصلاة هي عمدة العبادات كلها ، ولشرفها ومنزلتها جعلها الله لازمة للعبد ولا تسقط عنه بحال إبداً ؛ لذلك شُرعت صلاة المريض والمسافر والخائف ... الخ .