يُمَاشِيهِنَّ أَخْضَرَ ذِي ظِلَالٍ ... عَلَى حَافَّاتِهِ فَلَقُ الدِّنَانِ وَشِبْهُ الْمَوْجِ
وَهُوَ وَاحِدٌ بِالظُّلَلِ، وَهِيَ جِمَاعٌ، لِأَنَّ الْمَوْجَ يَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ بَعْدَ شَيْءٍ، وَيَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَهَيْئَةِ الظُّلَلِ
وَقَوْلُهُ: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا غَشِيَ هَؤُلَاءِ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ، فَخَافُوا الْغَرَقَ، فَزِعُوا إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ مُخْلِصِينَ لَهُ الطَّاعَةَ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ هُنَالِكَ شَيْئًا، وَلَا يَدْعُونَ مَعَهُ أَحَدًا سِوَاهُ، وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبِرِّ} مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ فِي الْبَحْرِ مِنَ الْغَرَقِ وَالْهَلَاكِ إِلَى الْبِرِّ.
{فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ}
يَقُولُ: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ فِي قَوْلِهِ وَإِقْرَارِهِ بِرَبِّهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُضْمِرُ الْكُفْرَ بِهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ" {فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} قَالَ: الْمُقْتَصِدُ فِي الْقَوْلِ وَهُوَ كَافِرٌ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الْمُقْتَصِدُ الَّذِي عَلَى صَلَاحٍ مِنَ الْأَمْرِ"
وَقَوْلُهُ: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَكْفُرُ بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا إِلَّا كُلُّ غَدَّارٍ بِعَهْدِهِ، وَالْخَتْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ: أَقْبَحُ الْغَدْرِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ:
[البحر الوافر]
وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْرٍ ... مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ
وَقَوْلُهُ: {كَفُورٍ}
يَعْنِي: جَحُودًا لِلنِّعَمِ، غَيْرُ شَاكِرٍ مَا أُسْدِيَ إِلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ.
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «الْمَكْرُ غَدْرٌ، وَالْغَدْرُ كُفْرٌ» . انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 18/}