والثاني: بمعنى جاعل ، لأن حقيقة الجَعْل فِعْلُ الشيء على صفةٍ ، وحقيقة الإحداث إيجاد الشيء بعد العدم.
و {الأرض} قيل: إنها مكة ، وروى ابن سابط ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"دُحِيَت الأرضُ من مكةَ"ولذلك سميت أم القرى ، قال: وقبر نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب بن زمزم ، والركن ، والمقام.
وأما"الخليفة"فهو القائم مقام غيره ، من قولهم: خَلَفَ فلانٌ فلاناً ، والخَلَفُ بتحريك اللام من الصالحين ، والخَلْفُ بتسكينها من الطالحين ، وفي التنزيل: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ} [مريم: 59] ، وفي الحديث:"ينقل هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُهُ". وفي خلافة آدم وذريته ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه كان فِي الأرض الجِنُّ ، فأفسدوا فيها ، سفكوا الدماء ، فأُهْلِكوا ، فَجُعِل آدم وذريته بدلهم ، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أنه أراد قوماً يَخْلُفُ بعضهم بعضاً من ولد آدم ، الذين يخلفون أباهم آدم فِي إقامة الحق وعمارة الأرض ، وهذا قول الحسن البصري.
والثالث: أنه أراد: جاعل فِي الأرض خليفةً يخْلُفُني فِي الحكم بين خلقي ، وهو آدم ، ومن قام مقامه من ولده ، وهذا قول ابن مسعود.
قوله عز وجل: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، وهذا جواب من الملائكة حين أخبرهم ، أنه جاعل فِي الأرض خليفةً ، واختلفوا فِي جوابهم هذا ، هل هو على طريق الاستفهام أو على طريق الإيجاب ؟ على وجهين:
أحدهما: أنهم قالوه استفهاماً واستخباراً حين قال لهم: إني جاعلٌ فِي الأرض خليفة ، فقالوا: يا ربنا أَعْلِمْنَا ، أجاعل أنت فِي الأرض من يُفْسِدُ فيها ويسفك الدماء ؟ فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون ، ولم يخبرهم.
والثاني: أنه إيجاب ، وإن خرجت الألف مَخْرج الاستفهام ، كما قال جرير: