قال أهل التأويل: إنهم سألوا نوحًا أن يطرد أُولَئِكَ الذين آمنوا به من الضعفاء؛ حتى يؤمنوا هم به، فقال عند ذلك: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) .
وجائز أن يكونوا طعنوا في الذين آمنوا أنهم قالوا ظاهرًا، وأما في السر فليسوا على ذلك، فقال نوح عن ذلك: وما أنا بطارد الذين آمنوا؛ يدل على ذلك قول نوح حيث قال: (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا) ، هذا القول منه يدل على أن كان منهم طعن في أُولَئِكَ الذي آمنوا به، حيث وكل أمرهم إلى اللَّه فقال: اللَّه أعلم بما في أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ(115)
قد ذكرناه فيما تقدم في غير موضع.
وقوله: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ(116) المرجوم: هو المقتول بالحجارة، وهي أشد قتل؛ لذلك أوعدوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لتكونن من المشتومين باللسان.
لكن الأول أقرب؛ لأنه قد كان منهم الشتم فلا يحتمل الوعيد به.
ثم دعا نوح عند ذلك فقال: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ(117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ... (118) . أي: اقض
بيني وبينهم قضاء، أي: اقض عليهم بالعذاب والهلاك، ألا ترى أنه قال: (وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ؛ فدل سؤاله نجاة نفسه ومن معه من المؤمنين على أن قوله: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا) سأل ربه هلاك من كذبه، وهو ما قال في قصة أخرى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) ، الذي وعدت أنه ينزل بهم، وهو العذاب، فعلى ذلك هذا.