ثم إن الله تبارك وتعالى وصف ذلك اليوم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} يعني: يوم القيامة لا ينفع المال الذي خلفوه في الدنيا ، وأما المال الذي أنفقوا في الخير ، فليس ينفعهم ، {وَلاَ بَنُونَ} يعني: الكفار لأنهم كانوا يقولون: {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في ذلك اليوم المال ولا البنون ، وأما المسلمون ينفعهم المال والبنون ، لأن المسلم إذا مات ابنه قبله يكون له ذخراً وأجراً في الجنة ، وإن تخلف بعده ، فإنه يذكره بصالح دعائه ، فينفعه ذلك ثم قال: {إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني: من جاء بقلب سليم يوم القيامة ينفعه المال والبنون.
ويقال: {إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ، فذلك ينفعه ، والقلب السليم هو القلب المخلص.
وقال ابن عباس: يعني: بقلب خالص من الشرك.
وروى أبو أسامة بن عوف قال: قلت لابن سيرين ، ما القلب السليم قال: أن تعلم أن الله عز وجل حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، ويقال: سليم من اعتقاد الباطل.
ويقال: سليم من النفاق والهوى والبدعة.
وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم ، قال له ثلاث علامات ، أولها أن لا يؤذي أحداً ، والثاني أن لا يتأذى من أحد ، والثالث إذا اصطنع مع أحد معروفاً لم يتوقع منه المكافأة ، فإذا هو لم يؤذ أحداً ، فقد جاء بالورع ، وإذا لم يتأذ من أحد ، فقد جاء بالوفاء ، وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع ، فقد جاء بالإخلاص.
ثم قال عز وجل: {وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ} يعني: قربت الجنة للمتقين الذين يتقون الشرك والفواحش ، يعني: أن المتقين قربوا من الجنة ثم قال: {وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ} يعني: أظهرت الجحيم ، وكشفت غطاءها للكافرين.