فكأن نوحاً عليه السلام يقول: أنتم أيها البشر لا تستطيعون أن تُقوِّموا ما أقوم به من أجلكم ؛ لأنني جئتكم بمنهج هداية يُسعِدكم في الدنيا ، ويُنجيكم في الآخرة ، وأنتم لن تٌقوِّموا هذا العمل ، وأجري فيه على الله ؛ لأنكم تُعطون على قَدْر إمكاناتكم وعلمكم .
وسبق إنْ حكيْنَا لكم قصة الرجل الذي قابلناه في الجزائر ، وكان رجلاً تبدو عليه علامات الصلاح ، وقد أشار لنا لنقف بسيارتنا ونحمله معنا ، فلما توقفنا ليركب معنا مالَ إلى السائق ، وقال (على كم) يعني: الأجرة فقال له الرجل ، وكان المحافظ: نُوصلك لله ، فقال (غَلِّتها يا شيخ) . نعم ، إنْ كان الأجر على الله فهو غَالٍ .
وفي آية أخرى يقول تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [الطور: 40] .
ثم يقول: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين} [الشعراء: 109] إنْ هنا بمعنى ما النافية ؛ لأنه تعالى القادر على أن يُكافئني على دعوتي ، فهو الذي أرسلني بها ، وهو سبحانه رب العالمين الذي تبرع بالخَلْق من عدم ، وبالإمداد من عدم ، وخلق لي ولكم الأرزاق ، وهذا كله لصالحكم ؛ لأنه سبحانه لا ينتفع من هذا بشيء .
والربوبية تقتضي عناية ، وتقتضي نفقة وخلقاً وإمداداً ، فصاحب كل هذه الأفضال والنعم هو الذي يعطيني أجري .
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110)
بعد أن بيَّن لهم كرم الربوبية في مسألة الأجر على الدعوة وأعطاهم ما يشجعهم على التقوى وعلى الطاعة ؛ لأنهم سينتفعون برسالة الرسول دون أجر منهم . ومعنى {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 110] أي: ليست لي طاعة ذاتية ، إنما أطيعوني ؛ لأني رسول من قِبَل الله تعالى .
ثم يقول الحق سبحانه حاكياً ردَّهم على نوح عليه السلام: {قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ}