إذن: معنى الحثِّ: تعجُّب من ترْك الفعل وإنكار يحمل معنى الأمر .
فمعنى: {أَلاَ تَتَّقُونَ} [الشعراء: 106] أُنكِر عليكم ألاَّ تكونوا متقين ، والمراد: أطلب منكم أن تكونوا متقين ، وما دُمْت قد أنكرت النفي فلا بُدَّ أنك تريد الإثبات .
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107)
وقوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 107] فإنْ كانت عندكم غفلة فقد رَحِم الله غفلتكم ، ونبّهكم برسول أمين يَعِظكم ويعلّمكم ويُبلّغكم منهج الله ، وهو أمين لن يغشَّكم في شيء حتى لا تقولوا: إنَّا كنَّا غافلين .
وما دُمْت أنا مرسلاً من الله إليكم ، وأميناً عليكم وعلى دعوتي ، فاسمعوا مني ؛ لذلك كرَّر الأمر بالتقوى: {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ}
وكأنه يتصالح معهم ، فيُخفف من أسلوب النُّصْح ، ويأتي بالأمر صريحاً بعد أن أتى به في صورة إنكار ألاَّ يكونوا متقين . وثمرة التقوى طاعة الأوامر واجتناب النواهي ، وهذه لا نعرفها إلا من الرسول حامل المنهج ومُبلِّغ الدعوة والأمين عليها .
وقد ترددتْ هذه الآية على ألسنة كثير من رسل الله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 107108] .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}
هذه العبارة {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الشعراء: 109] لم نسمعها على لسان إبراهيم عليه السلام ، ولا على لسان موسى عليه السلام ، فأول مَنْ قالها نوح عليه السلام ، وكوْنك تقول لآخر: أنا لا أسألك أَجْراً على هذا العمل ، فهذا يعني أنك تستحق أجراً على هذا العمل ، وأنت غير زاهد في الأجر ، إنما إنْ أخذته من المنتفع بعملك ، فسوف يُقوِّمه لك بمقاييسه البشرية ؛ لذلك من الأفضل أن تأخذ أجرك من الله .